ابن عجيبة
176
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم شرع في قصص الأنبياء ، تسلية لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 7 إلى 11 ] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 8 ) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) يقول الحق جل جلاله : واذكر إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ ؛ زوجته ومن معه ، عند مسيره من مدين إلى مصر : إِنِّي آنَسْتُ أي : أبصرت ناراً ، سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن حال الطريق التي ضل عنها . والسين للدلالة على نوع بعد في المسافة ، وتأكيد الوعد . أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ « 1 » قَبَسٍ أي : شعلة نار مقبوسة ، أي : مأخوذة . ومن نوّن فبدل ، أو صفة ، وعلى القراءتين فالمراد : تعيين المقصود الذي هو القبس ، الجامع لمنفعتى الضياء والاصطلاء ؛ لأن من النار ما ليس بقبس ، كالجمرة . وكلتا العدتين منه عليه السّلام بطريق الظن ، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه ، من صيغتى الترجي والترديد « 2 » ؛ لأن الراجي إذا قوى رجاؤه يقول : سأفعل كذا ، وسيكون كذا ، مع تجويزه التخلف . وأتى بأو ؛ لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معا لم يعدم واحدة منهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى ، وهي عزّ الدنيا والآخرة . واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين ، والقصة واحدة ، دليل على نقل الحديث بالمعنى ، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج . قاله النسفي . لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ؛ تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم . فَلَمَّا جاءَها أي : النار التي أبصرها نُودِيَ من جانب الطور أَنْ بُورِكَ ، على أنّ « أن » مفسرة ؛ لما في النداء من معنى القول . أو : بأن بورك ، على أنها مصدرية ، وقيل : مخففة ، ولا ضرر في فقدان الفصل ب « لا » ،
--> ( 1 ) قرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب ، وخلف ( بشهاب ) بالتدوين ، على القطع عن الإضافة ، و « قبس » بدل منه ، أو : صفة له ، بمعنى مقتبس ، أو مقبوس . وقرأ الباقون بغير تنوين ، لبيان النوع . أي من قبس ، كخاتم فضة . انظر الإتحاف ( 2 / 323 ) . ( 2 ) في قوله تعالى : . . لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً الآية 10 من سورة طه .